حيدر حب الله
69
حجية الحديث
القضايا ، بحيث تجلّت لديه الكثير من الأمور المخفيّة ، وبان له وجود استعداد لدى أناسٍ للكذب لأتفه الأسباب ، وأنّهم قد يتّفقون على الكذب ، وبان له أنّ اتفاق عشرة أشخاص على الكذب ليس بالأمر الغريب ، فبعد هذا لن يحصل لديه القطع من خلال إخبار عشرة أشخاص ، وهكذا . . « 1 » . وهذا ما يفتح الباب على ضرورة دراسة تاريخ حركة الوضع واختلاق الأحاديث في التراث الإسلامي ، ومعرفة دوافع التيارات المختلفة وطرقها وأساليبها ، وهنا قيمة النظرة الموضوعيّة المتجرّدة من النزعات الطائفية والمذهبية وغيرها لتقويم رجالات وأجيال المراحل السابقة ، وعندما نقول : تقويم فنحن لا نتحدّث عن تفسيق ، وإنّما يقصد فهم حركة التعامل مع الأحاديث قديماً ضمن سياقات مبرّرة من وجهة نظر أصحابها ؛ لأنّ هذا يترك أثره على وعي أدائهم الذي يترك بدوره أثراً على درجة تحصيل اليقين من تواتر الخبر عند المتلقّي . ولو أردنا أخذ مثال ، فنحن نجد كلاماً في التراث الإسلامي حول الترخيص الذي ذهب إليه بعض العلماء أو التيارات إزاء وضع الحديث في قضايا الوعظ والإرشاد وقراءة القرآن وفضله ومسائل الزهد والتقوى وغير ذلك ، فلو صحّت هذه المعطيات التاريخية أو حتى لو كانت محتملة جدّاً ولا نافي لها ، وكان منطق الأشياء يقبلها بوصفها احتمالًا معقولًا ، فإنّها ستؤثر على صورة الناقلين - ولو كانوا علماء صالحين أتقياء بررة - في مجال اعتمادنا على ما ينقلون ، وثمّة نصّ خطير يُنقل عن يحيى بن سعيد القطان ، أحد أئمّة الحديث والجرح والتعديل ، حيث يقول : لم نرَ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث ، أو لم نر أهل الخير . . « 2 » . إنه نصّ يستحقّ الوقوف عنده مليّاً ؛ للتنبّه من دسّ زاهدٍ هنا أو هناك لحديثٍ ما قد نقع فريسةً له .
--> ( 1 ) الصدر ، محاضرات تأسيسيّة : 121 . ( 2 ) انظر : صحيح مسلم 1 : 14 - 15 ؛ والسيوطي ، تدريب الراوي 1 : 238 .